محمد هادي معرفة

62

التفسير الأثري الجامع

هذا وبعد ما فرض اللّه رمضان إذا رقدوا لم يمسّوا النساء والطعام إلى مثلها من القابلة ، وكان أناس من المسلمين يصيبون من النساء والطعام بعد رقادهم ، وكانت تلك خيانة القوم أنفسهم ، فأنزل اللّه في ذلك القرآن : عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ الآية « 1 » . قوله تعالى : عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ تعليل لعدم إيجاب ذلك ، حيث منافاته لطبيعة الفطرة ، ومن ثمّ كان التشريع الحكيم هو التحليل من أوّل الأمر . وقوله : فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ . أي آب عليكم برحمته وأعفى عنكم المشاقّ في التكليف ، حيث يسّره عليكم من غير تعسير . قال ابن عاشور : هذا دليل على أنّ القرآن نزل بهذا الحكم لزيادة البيان ؛ إذ علم اللّه ما ضيّق به بعض المسلمين على أنفسهم ، وأوحى به إلى رسوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وهذا يشير إلى أنّ المسلمين لم يفشوا ذلك ولا أخبروا به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كما في روايات البخاري والنسائي ، سوى حديث ابن صرمة عند أبي داوود . ولعلّه من زيادات الراوي ! قال : فأمّا أن يكون ذلك قد شرع ثمّ نسخ ، فلا أحسبه ، إذ ليس من شأن الدين الّذي شرع الصوم أوّل مرّة يوما في السنة ، ثمّ درّجه فشرع الصوم شهرا على التخيير بينه وبين الفدية تخفيفا ، أن يفرضه بعد ذلك ليلا ونهارا فلا يبيح الفطر إلّا ساعات قليلة من الليل ! ؟ « 2 » قوله تعالى : هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ اللباس ما يستر الإنسان عن عواره ، ويقيه عن الحرّ والبرد ، وفوق ذلك فهو زينة له . قال الراغب : وجعل اللّباس لكلّ ما يغطّي من الإنسان عن قبيح ، فجعل الزوج لزوجه لباسا ، من حيث إنّه يمنع صاحبه ويصدّه عن تعاطي قبيح « 3 » . وهذا من أحسن التشبيه ، حيث الزوج لزوجه ، فوق أنّه زينة له ، يقيه ويحفظه من ارتكاب

--> ( 1 ) الدرّ 1 : 477 - 478 ؛ الطبري 2 : 226 - 227 / 2419 ؛ عبد الرزّاق 1 : 310 / 185 . ( 2 ) التحرير والتنوير 2 : 179 . ( 3 ) المفردات : 447 .